المكانة التي تحتلها الصوفية كحركة عقائدية و أسلوب حياة دينية في الإسلام
الدكتور محمد أركون
لا يمكن أن نتكلم عن الإسلام دون أن نخصص فصلا كاملا للتيار التقي المتزهد
المدعو في الإسلام بالصوفي. و هو تيار فكري يمتلك معجمه اللغوي و التقني الخاص به،
كما و يمتلك خطابه المتميز و نظرياته المتفردة. و في الوقت ذاته يتمتع هذا التيار بأسلوب
حياة دينية يستخدم الشعائر و الاحتفالات الفردية و الجماعية من أجل أن يجعل الجسد
و الروح يتواكبان و يساهمان في عملية تجسيد الحقائق الروحية.
ينبغي أن نلاحظ، أولا أن التجربة
الصوفية موجودة ف كل الأديان، و ليست حكرا على الإسلام و حده. و قد تمتعت هذه
التجربة، من الناحية التاريخية، باستمرارية و تواصلية تدعو للإعجاب. هدا في حين أن
الأنماط الأخرى للتعبير الديني (كعلم الكلام،و الفقه، و التفسير، و فن العمارة) قد
شهدت متغيرات أكثر سرعة.
إن التصوف، في مقصده النهائي و العمق، يمثل، أولا، التجربة المعاشة نتيجة
اللقاء الحميمي و التوحيدي بين المؤمن و لإله الشخصي (أي اللانهائي و المطلق
المرتبط بالألوهة بالنسبة لمجمل الأديان). و هذه التجربة محللة و موضحة بواسطة
محاسبة الضمير و عودة الصوفي على ذاته. و التجربة التي تحظى بالتأمل على هذا النحو
بالمعنى الحرفي لكلمة تأمل.
و التأمل الصوفي عبارة عن تمرين
فردي و مستقل عن الشعائر و الفرائض التي تؤديها الجماعة. و هو معاش بصفته هبة
مجانية لله، و يرد عليه الصوفي بهبة العشق و المحبة. قيل أن الإسلام يحبذ التواصل
المباشر بين المؤمن و ربه، و بدون وساطة الكهنة كما هو عليه الحال في المسيحية. و
لكن الصوفيين يذهبون في هذا الخط ابعد بكثير إذا ما قسناهم بموقف الأرثوذكسية
الفقهية – القانونية. إنهم يذهبون بعيدا في الانفصال الشعائري عن الأمة، و خصوصا
عندما يتوصلون الى مرتبة الوحدة مع الله. و من المعروف أن الصوفي الكبير الحلاج
قد اعدم بعد تعذيبه عام 922م ، و كان قد لفظ العبارة المشهورة : أنا الحق.
و عندئذ اصطدم بسوء تفاهم و فهم الحرفيين الظاهريين له، أقصد أتباع الشعائر و
الطقوس، الذين لا يستطعون القبول بان تتحد
الأنا البشرية الى مثل هذا الحد بالأنا الإلهية المتعالية.
هذا الحكم يبين لنا مدى عنى و أصالة الحركة الصوفية في القرنين الثاني و
الثالث الهجري / الثامن و التاسع الميلادي. و كان ذلك في وقد و في مجتمع تتلاقح
فيه و تتقاطع عدة تراثات ثقافية و عدة تيارات فكرية تنشطها الجماعات العرقية –
الثقافية ذات الأصول المتنوعة (الموالي). و كان يمكن للفيلسوف أن يعيش التجربة
الصوفية أو النسكية الزهدية، كما كان يمكن للصوفي أن ينفتح على الفلسفة. و كذلك
الأمر، كان بإمكان الفقيه و المتكلم أن يهتم بالفلسفة و التصوف معا. و كان يمكن
لسريان الأفكار الضخم هذا، و لتبادل الخبرات الخصب هذا أن يحصل في المدن
الكوسموبوليتية الكبرى كبغداد، و البصرة، و الري، و مكة بسبب الحج، و القاهرة...
و قد راح الصوفيون في مرحلة البداية و التشكل يعلقون الوعي بالزمن و عالم
الأشياء لكي يتوصلوا الى وحدة الوجود التي تميز بها الصوفي الكبير ابن عربي
(1230م) . و في الوقت {اته كانت لهم ميزة البقاء منغرسين بقوة داخل الساحة
الثقافية و الفكرية لزمنهم. و لهذا السبب وصفوا تجربتهم بأسلوب مؤثر و حذاقة في
التحليل تفرض أعمالهم حتى يومنا هذا على الباحثين في علم النفس الديني، كما على
ممارسي الخط الصوفي. سوف اذكر هنا السماء التالية: الحسن البصري(772م) ، و
المحاسبي (857م)، و البسطامي (874م) ن و الجنيد (910م) الخ...
بقي علينا أن نقول كلمة سريعة عن العلاقة بين الباطن/ و الظاهر. كنت قد
أشرت الى أن خط التقسيم بين الباطن/ و الظاهر لا يمكن أن يرتسم بين الداخل/ و
الخارج، أو بين المخبوء الذي لا تمكن معرفته إلا بواسطة الطريقة الصوفية/ و لظاهر
المتجلي الذي يبدو مباشرة للنظر و العقل. في الواقع، إن الفكر الإسلامي التقليدي
كان قد جعل نفسانيا صمن إطار الثقافة الغنوصية و اكتناه الأسرار الربانية حقيقة
أخرى ذات بنية نفسية-لغوية. و هي التي ندرسها اليوم تحت اسم البنية العميقة/ و
البنية السطحية، أو الخطاب الضمني و الخطاب الصريح في اللغة، كل لغة بشرية. لقد
اصطدم المفسرون القدماء بهذه المشكلة في التمييز عندما حاولوا فك معاني الخطاب
القرآني و شرحه.إن مفهومي التقدير و التضمين المستخدمين من قبل المفسرين
الكلاسيكيين، قد طبقا على الآيات الصريحة الواضحة أو الغامضة التي تتطلب تحليلا
أعمق او جهدا تفسيريا أكبر نقصد بذلك هنا الآيات المدعوة محكمات/ أو متشابهات. و
هذان المفهومان التأويليان وضعاهم على طريق فهم المقال/ و اللامقال، ثم المقال
بواسطة اللامقال. و لكن نظرية اللغة و الروابط بين اللغة و الفكر لم تكن مجهزة
بمنهجية مناسبة و مطابقة للمجاز و الكتابة. كما أنها لم تكن قادرة على فهم الأسطورة
بصفته مفتاحا لنمط خاص من أنماط المعرفة. يضاف الى ذلك أنها لم تكن مزودة بتصور
للرمز و العلامة بصفتها عناصر أساسية للدلالة في كل الأنظمة الرمزية و السيميائية،
و خصوصا نظام الخطاب الديني الذي تفرع عنه و تشتق منه أنظمة دلالية أخرى عديدة.
بالطبع كان المفسرون القدامى يعرفون المجاز و الكناية و المثل و القصة
التهذيبية ذات العبرة و الموعظة و العلامات. و كنوا يستخدمون بسهولة كل أدوات
التعبير في كل الأنظمة السيميائية التي ينتجونها. و الخطاب الصوفي هو احد هده
الأنظمة السيميائية، مثله في ذلك مثل اللباس، و الأثاث، و فن العمرة، و العمران
المدني، و القانون القضائي ، الخ... و لكنهم لم يكونوا قادرين على فهم الدور الذي
تلعبه كل أداة من هذه الأدوات البلاغية أو الألسنية أو السيميائية في تشكيل المعنى
و الدلالة. و قد أبتدأنا، نحن المحدثين، بالكاد نستشف الآن مثلا الوظيفة المؤسسة
للمعنى، هذه الوظيفة التي يشتمل عليها المجاز، و الرمز، و الأسطورة ، و ذلك
بالترابط مع تشكيل المتخيل و الحلقات التاريخية المتحولة للمعنى. فالمعنى لم يعد
ثابتا أو راسخا أبديا في التعالي، و أنما أصبح خاضعا لولادة تدميرية مستمرة. أصبح المعنى مولدا بواسطة الإبداعية المعنوية و
إبداعية الذات الإنسانية في ظل تأثير الحاجيات الوجودية الجديدة. و بالتالي، فان ذلك
يقود بالضرورة الى تدمير الدلالات السابقة و المعنى السابق و تحولها و تجاوزها. و
هذا يعني وجود مجازات حية، و ميتة، و منعشة من جديد (منبعثة الى الحياة) كما أنه
قد يعني تدهور الرموز العالية و انحطاطها الى مرتبة العلامات العادية، بل و حتى
اللافتات و الإشارات الأدواتية كإشارات الطرق و المرور مثلا.
أن منشأ ما يدعى (بالإيمان) ووظائفه مرتبطة حتما بهذه الآليات الغوية و
النفسية- الفيزيولوجية. و نحن نعلم اليوم من خلال النظريات الحديثة الفونولوجية. و
هم يستخدمون الجلد و العظم من اجل استقبال هذه الأصوات من قبل الصم البكم. و
الوحدات الصوتية تنطبع على النظام العصبي كما تنطبع على شريط مغنطيسي. و بالتالي
فان تكرارها الأمين و التام يصبح عندئذ مضمونا. بالطبع، فان ذلك لا يلغي قدرة
الذات البشرية على الفعالية و الإبداع. اقصد بذلك المقدرة بدرجات متنوعة و حسب
الأشخاص على تشكيل تركيبات و جمل لغوية جديدة أثناء هذا الانبثاق الرمزي الذي يصل
الى أعلى درجات إتقانه و ذروته لدى الأنبياء و الفنانين الكبار.




